أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
216
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وأملق ما عنده الدّهر ، أي : أفسده . وأنشد النّضر بن شميل على ذلك قول أوس بن حجر : 2133 - ولمّا رأيت العدم قيّد نائلي * وأملق ما عندي خطوب تنبّل أي : تذهب بالمال ، تنبّلت ما عندي ، أي : ذهبت به . وفي هذه الآية الكريمة : نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ فقدم المخاطبين ، وفي الإسراء قدم ضمير الأولاد عليهم ، فقال : نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ، فقيل : للتفنن في البلاغة ، وأحسن منه أن يقال : الظاهر من قوله : « مِنْ إِمْلاقٍ » حصول الإملاق للوالد ، لا توقعه وخشيته ، فبدىء أولا بالعدة برزق الآباء ، بشارة لهم بزوال ما هم فيه من الإملاق . وأما في آية « سبحان » فظاهرها أنهم موسرون ، وإنما يخشون حصول الفقر ، ولذلك قال : « خَشْيَةَ إِمْلاقٍ » ، وإنما تخشى الأمور المتوقعة ، فبدىء فيها بضمان رزقهم ، فلا معنى لقتلكم إيّاهم . فهذه الآية تفيد النهي للآباء عن قتل الأولاد ، وإن كانوا متلبسين بالفقر ، والأخرى عن قتلهم وإن كانوا موسرين ، ولكن يخافون وقوع الفقر . وإفادة معنى جديد أولى من ادعاء كون الآيتين بمعنى واحد للتأكيد . قوله : ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ في محل نصب بدلا من : « الْفَواحِشَ » بدل اشتمال ، أي : لا تقربوا ظاهرها وباطنها ، كقولك : « ضربت زيدا ما ظهر منه وما بطن » ، ويجوز أن يكون من بدل البعض من الكل ، و « مِنْها » متعلّق ، لأنه حال من فاعل « ظَهَرَ » ، وحذف « منها » بعد قوله : « بَطَنَ » ، لدلالة قوله : « مِنْها » في الأول عليه . قوله : « إِلَّا بِالْحَقِّ » في محل نصب على الحال من فاعل « تَقْتُلُوا » ، أي : لا تقتلوها إلّا متلبسين بالحقّ . ويجوز أن يكون وصفا لمصدر محذوف ، أي : إلّا قتلا ملتبسا بالحقّ ، وهو أن يكون القتل للقصاص ، أو للردة ، أو للزنا بشرطه ، كما جاء مبينا في السنة . وقوله : « وَلا تَقْتُلُوا » هذا شبيه بما هو من ذكر الخاص بعد العام ، اعتناء بشأنه ، لأن « الْفَواحِشَ » يندرج فيها قتل النفس ، فجرّد منها هذا استفظاعا له وتهويلا ، ولأنه قد استثنى منه في قوله : « إِلَّا بِالْحَقِّ » ، ولو لم يذكر هذا الخاص لم يصح الاستثناء من عموم الفواحش لو قيل في غير القرآن : « لا تقربوا الفواحش إلّا بالحقّ ، لم يكن شيئا . قوله : ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ في محله قولان ، أحدهما : أنه مبتدأ ، والخبر الجملة الفعلية بعده . والثاني : أنه في محل نصب بفعل مقدر من معنى الفعل المتأخر عنه ، وتكون المسألة من باب الاشتغال ، والتقدير : ألزمكم ، أو كلّفكم ذلك ، ويكون « وَصَّاكُمْ بِهِ » مفسّرا لهذا العامل المقدر ، كقوله تعالى : وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً « 1 » . وناسب قوله تعالى هنا : لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ، لأن العقل مناط التكليف والوصية بهذه الأشياء المذكورة . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 152 إلى 153 ] وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 152 ) وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 153 )
--> ( 1 ) سورة الإنسان ، آية ( 31 ) .